لا تزال الولايات المتحدة تعاني من مشكلة التضخم: فقد ارتفعت الأسعار بنسبة 3% خلال العام الماضي، وفقاً لأحدث البيانات. إنها ليست أزمة خانقة مثل تلك التي شهدها الأميركيون في صيف عام 2022 - هل تتذكرون التضخم بنسبة 9%؟ - لكنها لا تزال تؤلم الناس. فقد ارتفعت أسعار بعض السلع الغذائية والتأمين على السيارات بشكل كبير، كما ترتفع أسعار البنزين وبعض المواد الغذائية الأخرى.
كان من المفترض أن يكون هذا العام هو العام الذي يعود فيه التضخم إلى هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وبدلاً من ذلك، فإنه يتجه نحو الارتفاع مرة أخرى، وسيتفاقم إذا أوفى الرئيس دونالد ترامب بوعده بفرض تعريفات جمركية واسعة النطاق. فقد اتخذ خطوة أخرى في هذا الاتجاه يوم الخميس عندما أعلن أنه سيطلق قريباً تعريفات انتقامية على العديد من الدول. ما يحدث في الاقتصاد الآن هو تضخم أشبه بلعبة في مدينة الملاهي، حيث يظهر ضفدع، فيقوم اللاعب بضربه، ثم يظهر آخر في مكان آخر.
فمنذ بداية جائحة فيروس كورونا، شهد الأميركيون ارتفاعات جنونية في الأسعار - بما في ذلك ورق التواليت، وتأجير السيارات، والسيارات المستعملة، والغاز، والمرافق، والإيجار. وخلال العام الماضي، كانت الإيجارات المرتفعة هي المشكلة الرئيسية. والآن بدأت في التراجع قليلاً، لكن أسعار العديد من السلع الأخرى بدأت ترتفع فجأة. هذا التضخم العشوائي يزيد من قلق الأميركيين بشأن الأسعار التي سترتفع لاحقاً. على سبيل المثال، ارتفع سعر البيض بنسبة 53% مقارنة بالعام الماضي، بينما قفزت أسعار التأمين على السيارات بنسبة 12%.
ودائماً ما توجد تفسيرات لهذه الارتفاعات المفاجئة. فقد تقلصت إمدادات البيض بسبب إنفلونزا الطيور، التي أجبرت المزارعين على إعدام أكثر من 40 مليون دجاجة. وكان أحد العوامل الرئيسية في ارتفاع التضخم خلال يناير هو عودة ارتفاع أسعار السلع بعد شهور من الانخفاض. في الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف التأمين على السيارات بسبب الارتفاع السريع في أسعار السيارات وإصلاحها، بالإضافة إلى زيادة عدد السيارات المتضررة من الكوارث الطبيعية. وهذا يجعل من الصعب القضاء على التضخم نهائياً. ي
حتاج الاقتصاد إلى عدة أشهر دون ارتفاعات غير متوقعة في الأسعار، ولكن مع تهديد ترامب بفرض تعريفات جمركية على جميع الواردات تقريباً، يبدو أن هذا غير مرجح. يختلف الاقتصاديون حول مدى الألم الذي ستسببه تعريفات ترامب الجمركية، لكنهم يتفقون على أنها ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار أكثر. وهذا يعني استمرار ارتفاع أسعار الفائدة – وأسعار الرهن العقاري – لفترة أطول أيضاً.
هذا الوضع مختلف تماماً عما كان عليه الحال في عام 2018، عندما حاول ترامب خوض حربه التجارية الأولى. في ذلك الوقت، كان التضخم منخفضاً لسنوات، ولم يكن يمثل مصدر قلق كبير للرأي العام. كما أن ترامب كان يؤجل بدء الحرب التجارية ويقلص قائمة المنتجات التي سيتم فرض تعريفات عليها.
وبدلاً من فرض ضرائب على هواتف «آيفون»، استهدف مكونات وأجزاء أخرى، لذلك كان من الأسهل إخفاء العواقب عن المستهلكين. لكن هذه المرة، يستعد ترامب لأكبر توسيع للتعريفات الجمركية منذ عصر الكساد الكبير، مع رفع معدلات التعريفات وتوسيع نطاقها لتشمل كل شيء من الغذاء إلى الطاقة إلى السيارات.
هناك شيء آخر تغير منذ عام 2018، وهو الطريقة التي يفكر بها المستهلكون والشركات بشأن التضخم. اليوم، أصبح الناس أكثر وعياً بالأسعار وأكثر يقظة لأي عوامل قد تؤدي إلى ارتفاعها. يشعر العديد من المستهلكين، القلقين بشأن تعريفات ترامب الجمركية، بقلق متزايد من ارتفاع التكاليف. وتستجيب الشركات من محلات الدراجات، إلى شركات الصلب، للتعريفات الجمركية التي فرضها ترامب بنسبة 10% على السلع الصينية والتعريفات الجمركية الأكثر صرامة على الصلب والألمنيوم برفع أسعارها. قالت «كونستانس هانتر»، كبيرة الاقتصاديين في وحدة الاستخبارات الاقتصادية: «التأثير التضخمي المحتمل أكبر الآن».
وأضافت: «لم يكن الرؤساء التنفيذيون يعرفون كيفية تمرير التكاليف للمستهلكين في عام 2018، لأنهم لم يكونوا معتادين على ذلك. لكن بعد الجائحة، أصبحوا يعرفون كيف يفعلون ذلك. لقد أصبح الأمر بمثابة مهارة مكتسبة لديهم». لقد انتخب الأميركيون ترامب لخفض التكاليف، وكان ذلك أحد أبرز وعوده الانتخابية إلى جانب الهجرة.
ويبدو أن الرئيس يدرك أنه قد يواجه مشكلات بسبب التضخم. فعندما تم الإعلان عن نسبة تضخم بلغت 3% يوم الأربعاء، سارع إلى إلقاء اللوم على الرئيس السابق جو بايدن. في هذه المرحلة المبكرة، قد يستمر الناخبون في إلقاء اللوم على بايدن أيضا، لكن في المستقبل، سيتحمل «رجل التعريفات الجمركية» مسؤولية الأرقام. يريد ترامب إثبات أنه ينفذ أجندته بسرعة. لكنه معرض لخطر سوء قراءة المشهد الاقتصادي – وما يتوقعه الناخبون منه فيما يتعلق بالأسعار.
كاتبة أميركية متخصصة في الشؤون الاقتصادية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»


